اسماعيل بن محمد القونوي
434
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
أن تسميته ظلما استعارة لا حقيقة لأنه لو فعله غيره لكان ظلما لتصرفه في ملك غيره بغير حق وأما ما وقع منه تعالى فتصرف في ملكه كيف ما يشاء فشبه الهيئة المأخوذة من فعل اللّه تعالى عبده بدون استحقاق لو كان بالهيئة المنتزعة من الإنسان وفعل غيره بغير حق فاستعمل اللفظ الموضوع للمشبه به في المشبه والظلم وإن كان منفيا هنا كان استعارة أيضا لأن النفي تابع للإثبات كما مر في بيان قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ [ البقرة : 26 ] الآية . قوله : ( كالابتلاء ) فإنه إذا استعمل في شأنه تعالى كقوله تعالى : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ [ البقرة : 155 ] الآية تكون استعارة تمثيلية فكذا هنا . قوله : ( والاختبار ) أي الامتحان عطف تفسير للابتلاء . قوله تعالى : [ سورة الجاثية ( 45 ) : آية 23 ] أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ( 23 ) قوله : ( أفرأيت ) أي أنظرت فرأيت فعلمت أو أبصرت مبالغة والاستفهام للتعجيب فإن هذا أمر يتعجب منه غاية التعجب قوله اتخذ أي جعل إلهه أي معبوده هواه إلهه مفعوله الثاني وهواه مفعوله الأول قدم للاهتمام به ولو جعل الإله مفعوله الأول وهواه مفعوله الثاني لكان أبلغ . قوله : ( ترك متابعة الهدى إلى مطاوعة الهوى ) هذا ثابت باقتضاء النص قوله إلى مطاوعة الهوى متعلق بترك بتضمين معنى القصد . قوله : ( فكأنه يعبده ) إشارة إلى أنه استعارة تمثيلية لكن المشبه به مفروض . قوله : ( وقرىء آلهة هواه لأنه كان أحدهم يستحسن حجرا فيعبده فإذا رأى أحسن منه رفضه إليه ) وقرىء آلهة بصيغة الجمع فالهوى بمعنى المهوي والإفراد لأنه أريد به الجنس أو لأنه مصدر في الأصل قوله رفضه أي تركه كأنه اتخذ آلهة متعددة فالرفض لا ينافي وتسمية ذلك ظلما ولو فعل اللّه لم يكن ظلما لأن الظلم هو التصرف في ملك الغير وفعل اللّه تصرف في ملكه فلا يسمى ظلما حقيقة لكن تسميته ظلما إنما هي على سبيل الفرض والتقدير يعني لو كان فاعله غير اللّه لكان ظلما منه فيكون استعمال الظلم فيه على سبيل الاستعارة تشبيها لفعله هذا بالظلم كلفظ الابتلاء والاختبار فإنه في حق اللّه تعالى مجاز مستعار لأن حقيقة الابتلاء لا يتصور في اللّه تعالى إذ الابتلاء والامتحان إنما يتصور فيمن خفي عليه الأمور واحتاج إلى امتحانها وعلام الغيوب لا يحتاج في العلم بالأمور إلى الابتلاء والامتحان فيلزم المصير إلى المجاز فمعنى قوله تعالى : لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [ هود : 7 ] وأمثاله ليعاملكم معاملة المختبر في أمر . قوله : لأنه كان أحدهم يستحسن حجرا يعبده وفي التيسير كانوا في الجاهلية يعبدون ما يستحسنون فإذا استحسنوا غيره تركوا الأول وعبدوا الثاني فإنما كان أحدهم يعبد ما يهواه فعلى هذا يكون الهواء مصدرا بمعنى المفعول أي يجعل آلهة مهويه كقولك فلان رجائي أي مرجوي .